علي أكبر السيفي المازندراني
150
دروس في القواعد التفسيرية ( الحلقة الثانية ، القسم الأول )
وأما نظرية « الهرمنيوطيقا » ، فانّها تعني فنّ تفسير المتون وتحاول تأسيس أصول استكشاف أفكار زعماءِ المكاتب وقادة النِّحل واستنباط مقاصدهم من متون كتبهم . وهذا بخلاف اختلاف القرائات ؛ فإنه في لفظ المتن نفسه . وعليه فما وقع من الاختلاف في قرائات ألفاظ الآيات القرآنية ، لا ربط له بنظرية « الهرمنيوطيقا » ، كما هو واضح . وقد بحثنا مفصّلًا في الحلقة الأولى ( 1 ) عن ماهية « الهرمنيوطيقا » والإجابة عن أسئلة حول مباني هذه النظرية ، واستنتجنا نتائج أصولية في تفسير المتون الشرعية ، فراجع هناك . والحاصل : أنّ مسألة اختلاف القرائات إنّما تبحث عمّا عرض من التغيُّر والاختلاف في هيئات وإعراب ألفاظ متن الكتاب الديني السماوي - وهو القرآن - مع صيانة أصل مادّته . فينشأ من ذلك اختلاف مداليل ألفاظه ، من دون تطرّق أي بطلان في أصل الكتاب ومادّته ولا في أصل الدين ، وإن قد يُخطىء المفسرون في فهم معناه المراد . وأما نظرية « بلوراليزم » فإنما تعني امتزاج كل دين من الحق والباطل ، أو حقانية الأديان كلّها في عصر واحد . وأما نظرية « الهرمنيوطيقا » ، فانّما تتكفّل لتفسير متن بالتوجيه والتحليل الدلالي ، لا بتبع عروض تغيّر واختلاف في هيئات ألفاظ المتن . وقد اتضح لك على ضوء ما بيّناه أنّ مسألة اختلاف القرائات لا ربط لها بهاتين النظريتين ؛ لوضوح الفرق بين تكثُّر معاني اللفظ بسبب اختلاف هيئاته وإعرابه ، وبين تكثُّر معانيه بسبب اختلاف تفسيره وتنوّع تحليله الدلالي ، وبين نسبية حقانية أصل الدين ، أو حقانية جميع الأديان في عصر واحد .
--> ( 1 ) - / دروس تمهيدية : الحلقة الأولى ، ص 94 - 101 .